فصل: الفصل الرابع والثلاثون: في أن كثرة التآليف في العلوم عائقة عن التحصيل:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ ابن خلدون المسمى بـ «العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر» (نسخة منقحة)



.الفصل الرابع والثلاثون: في أن كثرة التآليف في العلوم عائقة عن التحصيل:

اعلم أنه مما أضر بالناس في تحصيل العلم والوقوف على غاياته كثرة التآليف واختلاف الاصطلاحات في التعاليم وتعد طرقها ثم مطالبة المتعلم والتلميذ باستحضار ذلك وحينئذ يسلم له منصب التحصيل فيحتاج المتعلم إلى حفظها كلها أو أكثرها ومراعاة طرقها ولا يفي عمره بما كتب في صناعة واحدة إذا تجرد لها فيقع القصور ولابد دون رتبة التحصيل ويمثل ذلك من شأن الفقه في المذهب المالكي بالكتب المدونة مثلا وما كتب عليها من الشروحات الفقهية مثل كتاب ابن يونس واللخمي وابن بشير والتنبيهات والمقدمات والبيان والتحصيل على العتبية وكذلك كتاب ابن الحاجب وما كتب عليه ثم إنه يحتاج إلى تمييز الطريقة القيروانية من القرطبية والبغدادية والمصرية وطرق المتأخرين عنهم والإحاطة بذلك كله وحينئذ يسلم له منصب الفتيا وهي كلها متكررة والمعنى واحد والمتعلم مطالب باستحضار جميعها وتمييز ما بينها والعمر ينقضي في واحد منها ولو اقتصر المعلمون بالمتعلمين على المسائل المذهبية فقط لكان الأمر دون ذلك بكثير وكان التعليم سهلا ومأخذه قريبا ولكنه داء لا يرتفع لاستقرار العوائد عليه فصارت كالطبيعة التي لا يمكن نقلها ولا تحويلها ويمثل أيضا علم العربية من كتاب سيبويه وجميع ما كتب عليه وطرق البصريين والكوفيين والبغداديين والأندلسيين من بعدهم وطرق المتقدمين والمتأخرين مثل ابن الحاجب وابن مالك وجميع ما كتب في ذلك كيف يطالب به المتعلم وينقضي عمره دونه ولا يطمع أحد في الغاية منه إلا في القليل النادر مثل ما وصل إلينا بالمغرب لهذا العهد من تآليف رجل من أهل صناعة العربية من أهل مصر يعرف بابن هاشم ظهر من كلامه فيها أنه استولى على غاية من ملكة تلك الصناعة لم تحصل إلا لسييبويه وابن جني وأهل طبقتهما لعظيم ملكته وما أحاط به من أمصول ذلك الفن وتفاريعه وحسن تصرفه فيه وذلك على أن الفضل ليس منحصرا في المتقدمين سيما مع ما قدمناه من كثرة الشواغب بتعدد المذاهب والطرق والتآليف ولكن فضل الله يؤتيه من يشاء وهذا نادر من نوادر الوجود وإلا فالظاهر أن المتعلم ولو قطع عمره في هذا كله فلا يفي له بتحصيل علم العربية مثلا الذي هو آلة من الآلات ووسيلة فكيف يكون في المقصود الذي هو الثمرة؟ ولكن الله يهدي من يشاء.

.الفصل الخامس والثلاثون: في المقاصد التي ينبغي اعتمادها بالتأليف وإلغاء ما سواها:

اعلم أن العلوم البشرية خزانتها النفس الإنسانية بما جعل الله فيها من الإدراك الذي يفيدها ذلك الفكر المحصل لها ذلك بالتصور للحقائق أولا ثم بإثبات العوارض الذاتية لها أو نفيها عنها ثانيا إما بغير وسط أو بوسط حتى يستنتج الفكر بذلك مطالبه التي يعنى بإثباتها أو نفيها فإذا استقرت من ذلك صورة علمية في الضمير فلابد من بيانها لآخر: إما على وجه التعليم أو على وجه المفاوضة تصقل الأفكار في تصحيحها وذلك البيان إنما يكون بالعبارة وهي الكلام المركب من الألفاظ النطقية التى خلقها الله في عضو اللسان مركبة من الحروف وهي كيفيات الأصوات المقطعة بعضلة اللهاة واللسان ليتبين بها ضمائر المتكلمين بعضهم لبعض في مخاطباتهم وهذه رتبة أولى في البيان عما في الضمائر وإن كان معظمها وأشرفها العلوم فهي شاملة لكل ما يندرج في الضمير من خبر أو إنشاء على العموم وبعد هذه الرتبة الأولى من البيان رتبة ثانية لا يؤدى بها ما في الضمير لمن توارى أو غاب شخصه وبعد أو لمن يأتي بعد ولم يعاصره ولا لقيه وهذا البيان منحصر في الكتابة وهي رقوم باليد تدل أشكالها وصورها بالتواضع على الألفاظ النطقية حروفا بحروف وكلمات بكلمات فصار البيان فيها على ما في الضمير بواسطة الكلام المنطقي فلهذا كانت في الرتبة الثانية واحدا فسمي هذا البيان يدل على ما في الضمائر من العلوم والمعارف فهو أشرفها وأهل الفنون معتنون يإيداع ما يحصل في ضمائرهم من ذلك في بطون الأوراق بهذه الكتابة لتعلم الفائدة في حصوله للغائب والمتأخر وهؤلاء هم المؤلفون والتآليف بين العوالم البشرية والأمم الإنسانية كثير ومنتقلة في الأجيال والأعصار وتختلف باختلاف الشرائع والملل والأخبار عن الأمم والدول وأما العلوم الفلسفية فلا اختلاف فيها لأنها إنما تأتي على نهج واحد فيما تقتضيه الطبيعة الفكرية في تصور الموجودات على ما هي عليه جسمانيها وروحانيها وفلكيها وعنصريها ومجردها ومادتها فإن هذه العلوم لا تختلف وإنما يقع الاختلاف في العلوم الشرعية لاختلاف الملل أو التاريخية لاختلاف خارج الخبر ثم الكتابة مختلفة باصطلاحات البشر في رسومها وأشكالها ويسمى ذلك قلما وخطا فمنها الخط الحميري ويسمى المسند وهو كتابة حمير وأهل اليمن الأقدمين وهو يخالف كتابة العرب المتأخرين من مضر كما يخالف لغتهم وإن الكل عربيا إلا أن ملكة هؤلاء في اللسان والعبارة غير ملكة أولئك ولكل منهما قوانين كلية مستقرأة من عبارتهم غير قوانين الآخرين وربما يغلط في ذلك من لا يعرف ملكات العبارة ومنها الخط السرياني وهو كتابة النبط والكلدانيين وربما يزعم بعض أهل الجهل أنه الخط الطبيعي لقدمه فإنهم كانوا أقدم الأمم وهذا وهم ومذهب عامي لأن الأفعال الاختيارية كلها ليس شيء منها بالطبع وإنما هو يستمر بالقديم والمران حتى يصير ملكة راسخة فيظنها المشاهد طبيعية كما هو رأي كثير من البلداء في اللغة العربية فيقولون: العرب كانت تعرب بالطبع وتنطق بالطبع وهذا وهم ومنها الخط العبراني الذي هو كتابة بني عابر بن شالح من بني إسرائيل وغيرهم ومنها الخط اللطيني خط اللطينيين من الروم ولهم أيضا لسان مختص بهم ولكل أمة من الأمم اصطلاح في الكتاب يعزى إليها ويختص بها مثل الترك والفرنج والهنود وغيرهم وإنما وقعت العناية بالأقلام الثلاثة الأولى أما السرياني فلقدمه كما ذكرنا وأما العربي والعبري فلتنزل القرآن والتوراة بهما بلسانهما وكان هذان الخطان بيانا لمتلوهما فوقعت العناية بمنظومهما أولا وانبسطت قوانين لاطراد العبارة في تلك اللغة على أسلوبها لتفهم الشرائع التكليفية من ذلك الكلام الرباني وأما اللطيني فكان الروم وهم أهل ذلك اللسان لما أخذوا بدين النصرانية وهو كله من التوراة كما سبق في أول الكتاب ترجموا التوراة وكتب الأنبياء الإسرائيليين إلى لغتهم ليقتنصوا منها الأحكام على أسهل الطرق وصارت عنايتهم بلغتهم وكتابتهم آكد من سواها وأما الخطوط الأخرى فلم تقع بها عناية وإنما هي لكل أمة بحسب اصطلاحها ثم إن الناس حصروا مقاصد التآليف التي ينبغي اعتمادها وإلغاء ما سواها فعدوها سبعة:
أولها: استنباط العلم بموضوعه وتقسيم أبوابه وفصوله وتتبع مسائله أو استنباط مسائل ومباحث تعرض للعالم المحقق ويحرص على إيصاله بغيره لتعم المنفعة به فيودع ذلك بالكتاب في المصحف لعل المتأخر يظهر على تلك الفائدة كما وقع في الأصول في الفقه تكلم الشافعى أولا في الأدلة الشرعية اللفظية ولخصها ثم جاء الحنفية فاستنبطوا مسائل القياس واستوعبوها وانتفع بذلك من بعدهم إلى الآن.
وثانيها: أن يقف على كلام الأولين وتآليفهم فيجدها مستغلقة على الأفهام ويفتح الله له في فهمها فيحرص على إبانة ذلك لغيره ممن عساه يستغلق عليه لتصل الفائدة لمستحقها وهذه طريقة البيان لكتب المعقول والمنقول وهو فصل شريق.
وثالثها: أن يعثر المتأخر على غلط أو خطأ في كلام المتقدمين ممن اشتهر فضله وبعد في الإفادة صيتة ويستوثق في ذلك بالبرهان الواضح الذي لا مدخل للشك فيه فيحرص على إيصال ذلك لمن بعدة إذ قد تعذر محوه ونزعه بانتشار التآليف في الأفاق والأعصار وشهرة المؤلف ووثوق الناس بمعارفه فيودع ذلك الكتاب ليقف على بيان ذلك.
ورابعها: أن يكون الفن الواحد قد نقصت منه مسائل أو فصول بحسب انقسام موضوعه فيقصد المطلع على ذلك أن يتمم ما نقص من تلك المسائل ليكمل الفن بكمال مسائله وفصوله ولا يبقى للنقص فيه مجال.
وخامسها: أن تكون مسائل العلم قد وقعت غير مرتبة في أبوابها ولا منتظمة فيقصد المطلع على ذلك أن يرتبها ويهذبها ويجعل كل مسئلة في بابها كما وقع في المدونة من رواية سحنون عن ابن القاسم وفي العتبية من رواية العتبي عن أصحاب مالك فإن مسائل كثيرة من أبواب الفقه منها قد وقعت في غير بابها فهذب ابن أبي زيد المدونة وبقيت العتبية غير مهذبة فنجد في كل باب مسائل من غيره واستغنوا بالمدونة وما فعله ابن أبي زيد فيها والبرادعي من بعده.
وسادسها: أن تكون مسائل العلم مفرقة في أبوابها من علوم أخرى فيتنبه بعض الفضلاء إلى موضوع ذلك الفن وجميع مسائله فيفعل ذلك ويظهر به فن ينظمه في جملة العلوم التي ينتحلها البشر بأفكارهم كما وقع في علم البيان فإن عبد القاهر الجرجاني وأبا يوسف السكاكي وجدا مسائله مستقرية في كتب النحو وقد جمع منها الجاحظ في كتاب البيان والتبيين مسائل كثيرة تنبه الناس فيها لموضوع ذلك العلم وانفراده عن سائر العلوم فكتبت في ذلك تأليفهم المشهورة وصارت أصولا لفن البيان ولقنها المتأخرون فأربوا فيها على كل متقدم.
وسابعها: أن يكون الشيء من التآليف التي هي أمهات للفنون مطولا مسهبا فيقصد بالتآليف تلخيص ذلك بالاختصار والايجاز وحذف المتكرر إن وقع مع الحذر من حذف الضروري لئلا يخل بمقصد المؤلف الأول.
فهذه جماع المقاصد التي ينبغي اعتمادها بالتأليف ومراعاتها وما سوى ذلك ففعل غير محتاج إليه وخطأ عن الجادة التي يتعين سلوكها في نظر العقلاء مثل انتحال ما تقدم لغيره من التآليف أن ينسبه إلى نفسه ببعض تلبيس من تبديل الألفاظ وتقديم المتأخر وعكسه أو يحذف ما يحتاج إليه في الفن أو يأتي بما لا يحتاج إليه أو يبدل الصواب بالخطأ أو يأتي بما لا فائدة فيه فهذا شأن الجهل والقحة ولذا قال أرسطو لما عدد هذه المقاصد وانتهى إلى آخرها فقال: وما سوى ذلك ففصل أو شره يعني بذلك الجهل والقحة نعوذ بالله من العمل في ما لا ينبغي للعاقل سلوكه والله يهدي للتي هي أقوم.